لعل قصة الإصلاح التعليمي في فنلندا من أهم قصص الإصلاح في العالم، إذ بدأت الدولة منذ سبعينيات القرن العشرين بإصلاح المناهج الدراسية ومنهجيات التدريس والبيئة المدرسية وغير ذلك، ونتيجة لذلك، أصبح نظام التعليم في فنلندا الآن رفيع المستوى ويخرّج الطلاب الأكثر إنجازًا في العالم، ويُعدّ النظام الآن نموذجًا يحتذى به لبقية العالم.

تحتل فنلندا المرتبة الثامنة بين الدول الأكثر تعليمًا في العالم، كما تحتل فنلندا أعلى مرتبة في معدل إتمام الدراسة الثانوية. صنفت الدراسة التنافسية العالمية الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي مستوى التعليم في فنلندا الأول على مستوى العالم. 

وحتى نفهم لماذا يعد النظام التعليمي في فنلندا الأفضل على مستوى العالم علينا أن نطّلع على تشريح هذا النظام أولًا. يشمل نظام التعليم في فنلندا التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة والتعليم قبل الابتدائي والتعليم الشامل والتعليم الثانوي العالي والتعليم العالي. يهدف تعليم الكبار إلى تعليم البالغين ويتضمن العديد من البدائل من التعليم الشامل إلى التعليم العالي.

التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة

يهدف هذا المستوى من التعليم إلى دعم نماء الطفل وتعلمه ورفاهه مع منحه فرصًا تعليمية وفيرة. يجمع التعليم والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة (ECEC) بين التعليم والتعلّم والرعاية بطريقة منهجية وموجهة نحو الهدف. يحق للأطفال في هذه المرحلة تلقي التعليم المفتوح مع أحد الوالدين أو في مراكز الرعاية النهارية، كما يُركز على الانخراط في الأنشطة الاجتماعية واللغوية واليدوية، وإذا لم تكن اللغة الأم للطفل الفنلندية أو السويدية سيتلقّى الدعم في هاتين اللغتين. تدعم هذه المرحلة أيضًا نماء فئة ذوي الاحتياجات الخاصة.

وفي هذا المستوى من التعليم، تفرض فنلندا رسوم الرعاية النهارية البلدية فقط والتي تعتمد بشكل أساسي على دخل الأسرة بالإضافة إلى عدد الأطفال.

التعليم ما قبل الابتدائي

تهدف هذه المرحلة إلى تعزيز فرص الأطفال في التعلم والنماء. أصبحت المشاركة في التعليم قبل الابتدائي إلزامية منذ عام 2015، كما أنها مجانية. وما يميز نظام التعليم الفنلندي في مرحلة التعليم قبل الابتدائي أن الأولياء ينخرطون في أنواع مختلفة من الأنشطة التي تلبي الأهداف المحددة في هذه المرحلة. 

التعليم الأساسي

يبدأ التعليم الإلزامي بالمدرسة الأساسية وينتهي في سن 18. وهو مخصص لجميع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و17 عامًا. يكون التركيز في هذه المرحلة على دعم نماء الطالب ليصبح عضوًا مسؤولاً أخلاقياً في المجتمع، وإكسابه المعرفة والمهارات الأساسية اللازمة في الحياة.

وفي نهاية هذه المرحلة، على كل متعلم التقدم بطلب للحصول على تعليم ما بعد المدرسة الأساسية.

تتبع جميع المدارس التي تقدم التعليم الأساسي منهجًا وطنيًا أساسيًا يشكل الأهداف والأساسيات الضرورية للمواد المتنوعة، وتحافظ السلطات المحلية، مثل البلديات ومقدمي التعليم الآخرين، على المدارس الأساسية وغالبًا ما تنشئ مناهجها كجزء من الإطار الوطني.

المرحلة الثانوية العليا

يُمنح الطلاب بعد مرحلة التعليم الأساسي، حرية الاختيار بين متابعة التعليم العام والتعليم المهني.

يوفر التعليم الثانوي العام (lukio باللغة الفنلندية) تعليمًا عامًا، ولا يؤهل الطلاب فيه لأي مهنة معينة. ثم يخضع الطلاب في نهاية المرحلة لامتحان إنهاء المدرسة الوطني المعروف باسم امتحان شهادة الثانوية العامة الفنلندي. ويتأهل الخريجون للتقدم للدراسات في الجامعات والمعاهد، ويستغرق التعليم العام عادةً ثلاث سنوات لإكماله.

أما من يتابع التعليم المهني، فيمنحه المؤهلات المهنية الأولية والإضافية والمتخصصة. تمكّن المؤهلات المهنية الإضافية والمتخصصة الأفراد من تطوير مهاراتهم في مراحل مختلفة من حياتهم المهنية.

التعليم العالي

تنقسم المؤسسات الأكاديمية إلى جامعات نظامية وجامعات العلوم التطبيقية. هناك درجات دراسات عليا مختلفة أيضًا في التعليم العالي العلمي والفني، أي ليسانس ودكتوراه. تكون المدة الزمنية لإكمال درجة البكالوريوس في الجامعات النظامية 3 سنوات وبرنامج الماجستير سنتان. بينما يستغرق إكمال الشهادة في إحدى جامعات العلوم التطبيقية ما بين 3.5 و4.5 سنوات، أما شرط الحصول على درجة الماجستير في إحدى جامعات العلوم التطبيقية هو درجة البكالوريوس أو درجة أخرى مناسبة وخبرة عملية لمدة عامين على الأقل بعد الانتهاء من الدرجة السابقة.

سياسة التعليم في فنلندا

تعد سياسة التعليم الفنلندية فريدة من نوعها، وأحد الأسباب الرئيسية التي تجعل فنلندا تتمتع بأفضل نظام تعليمي في العالم. إذ تهدف السياسة بشكل رئيسي إلى ضمان حصول كل مواطن على فرص تعليمية متساوية للاستفادة منها. وتركز السياسة على كل من الجودة والكفاءة والإنصاف والتدويل.

وُضعت هذه السياسة على مبادئ «التعلم مدى الحياة» وكذلك «التعليم المجاني». كما يُمنح المعلمون الفنلنديون الاستقلالية التي يحتاجونها، ولكنهم في نفس الوقت مدربون تدريباً كاملاً، ولا يختارون للتدريس إلا إذا امتلكوا مؤهلات عالية أو درجة الماجستير في التعليم.

تعتمد سياسة التعليم على إشراك المعلمين بشكل مكثف في إنشاء أفضل المناهج الدراسية بالإضافة إلى خطط تعليم الطلاب.

وبعد الاطّلاع على تشريح النظام التعليمي، لنتعرف على بعض الحقائق التي ترفع من مستوى هذا النظام ليرقى إلى أفضل النظم التعليمية في العالم.

  1. يعدّ التعليم مجاني في البلاد من مرحلة ما قبل الابتدائي إلى مرحلة التعليم العالي، للمواطنين الفنلنديين، وكذلك للقادمين من دول الاتحاد الأوروبي/المنطقة الاقتصادية الأوروبية، باعتبار أن التعليم حق مكفول للجميع، يركز على المساواة لا التميز.
  2. يستغني النظام التعليمي في فنلندا عن نظام الاختبار الموحد، إذ يُصنف الطلاب فرديًا باستخدام نظام درجات يضعه المعلم، ويُحدد التقدم العام من قبل وزارة التربية والتعليم بأخذ عينات مجموعات من نطاقات متنوعة من المدارس. ويكون الاختبار الإلزامي الوحيد الذي يقدمه الطلاب الفنلنديون في سن 16.
  3. يأخذ الأطفال وقتهم في مرحلة الطفولة قبل بدء رحلتهم الأكاديمية، ويتمتعون بتأهيل نفسي وإدراكي أفضل للخوض في العملية التعليمية.
  4. يركز النظام التعليمي على تعزيز التعاون بدلًا من المنافسة بين المدارس، من خلال غرس مهارات العمل الجماعي والتعاون وروح الفريق لدى الطلاب.
  5. يعد التركيز على الأساسيات التأسيسية سببًا مهمًا لامتلاك فنلندا أفضل نظام تعليمي في العالم، لأن الطلاب يمتلكون الوقت والنطاق لبناء أفضل الأساس والأساسيات وفقًا لسرعتهم الخاصة. إذ ركز المعلمون الفنلنديون منذ ثمانينيات القرن العشرين على جعل هذه الأساسيات أولوية:
  • التعليم أداة لموازنة عدم المساواة الاجتماعية.
  • سهولة الحصول على الرعاية الصحية.
  • الإرشاد النفسي.
  • التوجيه الفردي.
  1. لا يوجد سوى 9 سنوات من التعليم الإلزامي في نظام التعليم الفنلندي، وبعد ذلك يُشجع الطلاب على معرفة الأفضل بالنسبة لهم من الناحية الأكاديمية والمهنية.
  2. يقضي الطلاب الفنلنديون 20 ساعة فقط أسبوعيًا في المدراس، كما يتحدث كل طالب لغتين أو ثلاث على الأقل. ومن بين كل 45 دقيقة من التعلم في المدارس، يقضي الطلاب 15 دقيقة في اللعب أو ممارسة الأنشطة الترفيهية، كما يحصلون على وجبات صحية مجانية في مدارسهم.

تقوم كفاءة نظام التعليم تقريبًا على كفاءة المعلمين وإعدادهم بشكل جيد وإنصافهم:

فمعايير اختيار المعلمين عالية، أي أن حاملي درجة الماجستير فقط (من كليات التدريس المتخصصة) يمكنهم اختيار وظائف التدريس، وحتى بعد ذلك يُخصص مدير فردي لكل معلم للاحتفاظ بعلامة تبويب حول تقدمهم.

كما يقضي المعلمون الفنلنديون حوالي 4 ساعات فقط كل يوم في التدريس، بينما يخصصون ساعتين كل أسبوع للتطوير المهني.

أما بالنسبة للرواتب، فيبلغ الراتب المبدئي للمعلم في فنلندا حوالي 29000 دولار، وهو يضاهي من حيث المكانة الأطباء والمحاميين. ويعزز نظام التعليم الفنلندي أيضًا العلاقة بين المعلم والطالب، إذ يشرف المعلم على الطالب ذاته لمدة تصل إلى 6 سنوات في مدرسته.

باعتبار أن حوالي 93% من الخريجين في فنلندا هم خريجي مدارس ثانوية أكاديمية أو مهنية، وأعلى بحوالي 17.5% مقارنة بالولايات المتحدة، وباعتبار أن 66% منهم يتوجهون للتعليم العالي، وهو أعلى معدل في الاتحاد الأوروبي، وبالإضافة إلى ما ذكر أعلاه، يمكن القول ببساطة أن فنلندا تتربع على عرش أفضل أنظمة التعليم في العالم.

المصادر:

نريد أن نعيد لمنطقتنا مجدها السابق.أتريد ذلك أيضاً؟

خلال العصر الذهبي، ساهمت منطقتنا ببعض أكبر الاختراعات والعجائب العلمية في العالم الحديث. نحن نعيد إيقاد روح المعرفة والمجد والأمل التي ألهمت المنطقة خلال هذه الفترة، ونحن بحاجة إليك.

انضم إلينا