رغم أن فريدريك هايك (1899-1992) قد ساهم في مجالات عدة خلال مسيرته الفكرية، إلا أن هناك ثيمة واضحة ممتدة عبر أعماله. تتمثل هذه الثيمة في طبيعة المعرفة البشرية المجزأة والمتناثرة. تنطوي الحالة البشرية على أنه ليس باستطاعة أحد امتلاك أكثر من جزء متناهي الصغر من المخزون الكلي للمعرفة الاجتماعية. كان أهم سؤال شغل هايك في العلوم الاجتماعية هو: ما نوع المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يمكنها التأقلم مع الحالة البشرية؟ تتعامل كل الإسهامات التي قدمها هايك واشتهر بها مع هذه المشكلة الصعبة بطريقة ما. حين تؤخذ هذه الفكرة في الاعتبار، سيصل القراء الذين لم يألفوا أعمال هايك إلى مبدأ متكامل تتضح من خلاله الخيوط المنفصلة لأعماله متعددة الأوجه في كُلٍ متسق.

المعرفة ونظام الأسعار وعملية السوق

اشتُهر هايك بدوره في شرح مساعدة نظام الأسعار في اقتصاديات السوق للأفراد على التأقلم مع حقيقة أن معرفتهم محدودة. في أغلب مراجع الاقتصاد المدخلية، تُعرّف «مشكلة الاقتصاد» بأنها تخصيص وسائل نادرة لصالح غايات متنافسة بأفضل طريقة ممكنة. رفض هايك هذا المفهوم عن المشكلة الاقتصادية، واقترح بدلًا من ذلك أن المشكلة تكمن في كيفية الاستغلال الأمثل لشذرات المعرفة المتناثرة، والموزعة في أرجاء المجتمع في صورة مجزأة بشدة وليست قابلة للقياس موضوعيًا. يعتبر هايك أن المعلومات الضرورية للحصول على تخصيص ناجع للموارد لن تكون متاحة لعقل واحد أو مجموعة من العقول. إذن فكيف للتقدم الاقتصادي أن يحصل؟

كانت إجابة هايك على ذلك من خلال الدور التنسيقي الذي يؤديه نظام الأسعار في اقتصاديات السوق. عندما يكون ذلك الدور شرطًا على المؤسسات التي تحمي الملكية الخاصة وتلتزم بسيادة القانون، ستمثل أسعار السلع والخدمات لاقتصاد ما، في وقت محدد، «أفضل تخمين» للأفراد لقيمة مواردهم. يعني السعر المرتفع للبرتقال قليلًا مقارنةً بالتفاح، أن البرتقال أقيم من التفاح هامشيًا. يستخدم العاملون في السوق الأسعار بصفتها بدائلًا للمعرفة وبصفتها معرفة في حد ذاتها.

على سبيل المثال، إن ارتفع سعر التفاح، سيؤدي ذلك إلى استهلاك الأفراد لعدد أقل من التفاح، وهو أمر مرغوب بما أن التفاح أصبح أقيم هامشيًا. ليس من الضروري أن يعرف الأفراد لماذا ارتفع سعر التفاح؛ كل ما عليهم فعله أن يلاحظوا أن السعر تغيّر ويعدّلوا سلوكهم وفقًا لذلك. بهذه الطريقة، يمثل نظام الأسعار نظامًا تبادليًا ضخمًا بين المعلومات والاستجابات، يساعد الأفراد في مسار أنشطتهم السوقية على إحداث تخصيص ناجع للموارد، رغم أن النجاعة الكلية ليست الهدف لأي فرد أو مجموعة من الأفراد.

تظهر رؤية هايك للدور المعلوماتي للأسعار بقوة في رؤيته للسوق بصفته عمليةً. يرى هايك أن السوق شبكة من علاقات التبادل التي تتعدل باستمرار بين ملايين من الأفراد. وفي أي وقت من الأوقات، ستكون هناك أخطاء مغروسة في نظام الأسعار، لأن الأفراد بشر وميالون إلى ارتكاب الأخطاء. لكن نظام الأسعار هو على وجه التحديد الآلية التي تسمح للأفراد في نهاية المطاف أن يكتشفوا أخطائهم ويصححوها.

يخطئ الكثيرون في اعتبار هايك منظرًا تهمه النجاعة فقط، ويصرّون على أن حجة هايك تفترض أن أسعار الأسواق ستصبح بالضرورة صحيحة وتحوي كل المعلومات ذات الصلة التي تخص ندرة الموارد النسبية. إن فكرة هايك أغنى وأكثر دقة: بالنظر إلى الاحتمال الحقيقي للخطأ، ستصحح عملية السوق، التي تشمل الأفراد العاملين بمعرفة وفرها لهم الدور المعلوماتي لنظام الأسعار، بمرور الوقت عدم النجاعة في السوق وتتقدم نحو تخصيص موارد ناجع.

 

المال ورأس المال ودورات الأعمال

حاز هايك جائزة نوبل في الاقتصاد بفضل عمله حول المال ورأس المال ودورات الأعمال عام 1974، لكن هذا العمل كان أكثر إثارةً للجدل من عمله حول بالمعرفة ونظام الأسعار. كان هايك متمسكًا بصرامة بالتراث النمساوي فيما يخص رؤيته لكيفية عمل اقتصاد يعتمد على المال، وكيف تحاذي بنية رأس المال الاقتصادية بين عرض المنتجين وطلب المستهلكين، وكيف تنتج السياسة النقدية التوسعية المفرطة أخطاءً في نظام الأسعار، ما يؤدي إلى دينامية ازدهار وكساد.

يركز عمل هايك حول رأس المال على بنية رأس المال. تعد السلع الرأسمالية (السلع التي تنتج سلعًا أخرى) غير متجانسة. ووجود توليفة محددة من السلع الرأسمالية ضروري لإنتاج سلع استهلاكية نهائية. إن بنية رأس المال، بالنسبة للاقتصاد، شبكة للسلع الرأسمالية، وينبغي ألا تنسق فقط عبر السلع والخدمات، وإنما أيضًا عبر الوقت. يستغرق الإنتاج المعتمد على كثافة رأس المال وقتًا، ما يدفع المستهلكين إلى انتظار السلع تامة الصنع والخدمات فقط إن أضافت عملية إنتاج رأس المال قيمة كافية لتعوض المستهلكين عن الانتظار. وهذا يؤدي مرةً أخرى إلى دور نظام الأسعار في إحداث هذا التنسيق ثنائي الأبعاد (عبر السلع والخدمات، وعبر الوقت).

يرى هايك أن عملية السوق تثمر بصورة اعتيادية عن ذلك التنسيق. إن كانت بنية رأس مال الاقتصاد، لسبب ما، غير منسقة كما يجب، ستسنح فرصة ربح لمُنتج ما من خلال الانخراط في عملية إنتاج ملائمة أكثر مع مطالب المستهلكين، وسيساعد نظام الأسعار المنتج المحتمل في الحصول على المعلومات الضرورية ليلبي ذلك الطلب بأقل الطرق تكلفة.

ولكن إن كان نظام الأسعار في حالة خطأ منهجيّ، سيظهر احتمال انهيار التنسيق بين الزمني. جادل هايك بأن السياسة النقدية التوسعية المفرطة أثارت ضوضاء في نظام الأسعار وزادت من صعوبة قيام نظام الأسعار بدوره المعلوماتي. تحفز السياسة النقدية التوسعية، التي يرافقها عادة انخفاض في أسعار الفائدة، المنتجين على الانخراط في الإنتاج المعتمد على كثافة رأس المال. إن انخفضت أسعار الفائدة بسبب ارتفاع في المدخرات مثلًا، ستكون هذه الاستجابة مضمونة. ولكن إن كان انخفاض أسعار الفائدة بسبب الضخ المالي فقط، فذلك يعني أن أسعار الفائدة المنخفضة تبعث بإشارة مغلوطة. كلما بدت عمليات الإنتاج المعتمدة على كثافة رأس المال أكثر ربحية على المدى القصير، كلما أمست غير مستدامة على المدى البعيد.

وضع عرض هايك لهذه العملية، المعروفة الآن بنظرية دورة الأعمال النمساوية (ABCT)، نظريته حول دورة الأعمال في مقدمة تفسيرات فترات الازدهار والكساد في بدايات ثلاثينيات القرن العشرين، وأصبحت الند الأساسي لنظريات كينز بعدها بفترة قصيرة. طوى النسيان نظرية دورة الأعمال النمساوية بعد الثورة الكينزية، ولكن الأزمة المالية في عام 2008 استحثت تجديد الاهتمام بأفكار هايك حول دورات الأعمال.

 

الفلسفة السياسية والمجتمع الحر

عندما خسرت نظريات هايك لصالح نظريات جون ماينارد كينز في المعركة التي حددت ملامح الاقتصاد الكلي المعاصر، توقف هايك لفترة عن العمل على نظرية الاقتصاد التقني وانصرف إلى ما يُطلق عليه عادة «الفلسفة الاجتماعية».

تكمن أهم أعماله في هذا المجال في الفلسفة السياسية والأخلاقيات والنظرية القانونية. تستكشف كل هذه الأعمال فضائل المجتمع الحر وتصف الشروط الضرورية لاستمراره. وكما في كل كتاباته، يعثر هايك على طريق ليناقش ما توحي به الطبيعة المتناثرة والناقصة للمعرفة البشرية حول الحوكمة.

يرى هايك أن الحرية مرغوبة لأنه لا يستطيع أحد منا التنبؤ بنتيجة التجريب في العالم الاجتماعي. إن استخدمت الدولة إجراءات الإكراه الاعتباطية لمصلحة ثلة من الأفراد أو الجماعات على حساب أفراد أو جماعات آخرين، قد تكون التكلفة اكتشافًا مهمًا يبقى مجهولًا بسبب الضرر الذي يتكبده أولئك المكرَهون. وبما أنه لا يستطيع أحد منا أن يعرف مسبقًا من أين يأتي التقدم، من الأفضل –والأعدل– أن يحصل كل فرد من المجتمع على حماية القوانين العامة التي تمنع أجهزة الإكراه في المجتمع من التمييز بناءً على السمات الفردية. هذا هو أساس فلسفة الحوكمة عند هايك، كما عرضه في ما قد يحسب أنه أكثر إسهاماته ديمومة في الفلسفة السياسية، وهو كتاب دستور الحرية.

ومع ذلك، فإن مساهمته الأكثر شهرة في هذا المجال بدأت قبل ذلك بكثير مع كتاب الطريق إلى القنانة. وجه هايك نقدًا، في كتابه المنشور في أربعينيات القرن العشرين، لادعاءات الاشتراكيين بأن التحرر الحقيقي ينطوي على الجمع بين التخطيط الاقتصادي والحرية السياسية. أثار هايك ضجة عندما قال إن هذين الهدفين غير متوافقين.

إن التخطيط الاقتصادي، الذي يعني في هذا السياق التخطيط الشامل للحياة الاقتصادية من قبل مكتب مركزي يملك جميع وسائل الإنتاج في المجتمع، من شأنه استعباد الأفراد بدلًا من تحريرهم. وذلك لأن العمل هو أحد عوامل الإنتاج، وأحد مدخلات السلع والخدمات النهائية. إذا كان على مكتب التخطيط أن يقرر ماهية ومقدار ما يجب إنتاجه كجزء من خطة اقتصادية رئيسية، فيجب عليه بالضرورة أن يملي على الأفراد شروط استهلاكهم – من خلال اختيار من يحصل على كمية ما من المنتج، وشروط إنتاجهم – من خلال إجبار الأفراد على أنشطة مهنية وترتيبات عمل معينة يجب أن تحدث لتنفيذ الخطة. إن المفهوم الغربي للمثل الأعلى الاشتراكي، إذا ما وصل إلى نهايته المنطقية، سيعني تدمير الاستقلال الفردي.

كانت أطروحة هايك مثيرة للجدل إلى حد كبير وأكسبته عداوة العديد من الأكاديميين اليساريين (على الرغم من أن كينز، منافس هايك في النظرية الاقتصادية، أشاد بالعمل). يرفض الكثيرون اليوم أفكار هايك، بحجة أن الدرجة العالية من الحرية التي يتمتع بها مواطنو العالم الغربي اليوم تدحض فرضية هايك. ومع ذلك، لا يملك المرء إلا أن يتساءل ما إذا كانت حجج هايك، التي نشرت في لحظة حاسمة في التاريخ الغربي، قد ساعدت في التراجع عن الهاوية. لم يتبنى الغرب قط الاشتراكية الشاملة، ومن المثير للاهتمام أن نفكر فيما إذا كان هايك قد ساعد في تجنب المستقبل الذي تنبأ به في كتابه المشؤوم، لأنه قد تم الاستماع إليه (وإلى آخرين يتبنون أفكارًا مشابهة) في الوقت المناسب.

نريد أن نعيد لمنطقتنا مجدها السابق.أتريد ذلك أيضاً؟

خلال العصر الذهبي، ساهمت منطقتنا ببعض أكبر الاختراعات والعجائب العلمية في العالم الحديث. نحن نعيد إيقاد روح المعرفة والمجد والأمل التي ألهمت المنطقة خلال هذه الفترة، ونحن بحاجة إليك.

انضم إلينا