من حق الإنسان أن يعيش في مجتمع ينعم بالحرية والأمان، لا في غابة يسود فيها حكم القوي على الضعيف، وحتى يتحقق ذلك، لابد من ممارسة الحريات ضمن حدود واضحة المعالم، وخطة مرسومة للحقوق والواجبات اللازم التقيد بها، للوصول لمجتمع ديموقراطي منفتح، يرتكز على حرية التعبير ويمنع فيه خطاب الكراهية. 

بالتأكيد، ما مِن أحد فوق خط النقد، كل الجماعات والأفراد بمختلف أطيافهم سواسية، لكن أحيانًا قد يكون موضوع توجيه النقد للآخرين ضبابيًا بالنسبة للبعض الذين يواجهون صعوبة في التفريق بينه وبين الدعوة لكرههم والتحريض ضدهم. فكيف نتمكن من تحديد الخط الفاصل بين الحرية في التعبير وبين استهداف الأشخاص بالكلام والتحريض ضدهم؟ 

ما هو خطاب الكراهية؟

كما تُشير التسمية، خطاب الكراهية هو الكلام الذي يحض على كره الآخر وتحقيره، قد يبدو للوهلة الأولى شكلًا من أشكال حرية التعبير عن الرأي، لكنه يتخذ منحى آخر يهدف لمهاجمة شخص ما أو مجموعة ما عبر التحريض على العنف، أو التحيّز على أساس سمات معينة، كالعِرق، والانتماء الديني، والجنس، والإعاقة، والميول الجنسي، وما إلى ذلك. يعتبره البعض جزءًا من حرية التعبير، وحتى أنهم يختلفون بين تشريعه وحظره، وذلك اعتمادًا على الإدارة الحاكمة. ولكن إنطلاقًا من زعمهم هذا على وجه التحديد، يُعدُّ التعبير عن الرأي خطابَ كراهيةٍ إذا ما تضمّن ما يلي:

  • كلامًا عدوانيًا: مثل شخصنة الأمور، وقابلية التحريض على العدائية والانتقام الفوري.
  • تحريضًا على العنف: مثل توجيه كلام من شأنه أن يؤدي لتأجيج المشاعر، وتنفيذ هجوم في المستقبل القريب أو البعيد كالإبادة الجماعية، والتعذيب الجسدي، والتنمّر، وغيرها من أشكال الكراهية.
  • تهديدًا حقيقيًا: مثل توجيه تصريحات واضحة بهدف التهديد والوعيد المراد تنفيذه مستقبلًا.
  • التشهير والقذف: قد يحدث كلاهما بأي وسيلة، لكن القذف يكون لفظيًا.

غالبًا ما يكون السبب وراء خطاب الكراهية هو الجهل في المقام الأول، لذا تحتاج المجتمعات التي تسود فيها الكراهية إلى عدة تدابير؛ مثل توفير مساحات للنقاشات، وتقديم أفضل سبل التعليم، جنبًا إلى جنب مع دعم قطاع الإعلام الحر المستقل الذي يتسم بالتنوع والتعددية، ليمثّل جميع أطياف المجتمع، لا سيما الأقليات الذين عادة ما يتعرضون للتهميش، ليواجهوا بكل حزم محاولة تحويلهم لكبش فداء إذا ما نُشرت معلومات مضللة عنهم.

قد يتساءل أحدنا، ما الذي يمنع من الحد من خطاب الكراهية؟

بالطبع بالإمكان الحد من مخاطرها، لكن ذلك لا يكفي دون أن تقوم الحكومات باستجابات لضمان إمكانية تعايش جميع أطيافها سويًا، وإحياء مفاهيم التنوّع والاختلاف فيما بينهم، وإلا فإن الحاجة تدعو لوجود حكومات تتمتع بالشفافية، وتخضع للمساءلة إن أخطأت. 

ما هي حريّة التعبير

حرية التعبير عن الرأي، أو الكلام الحر، هي حق أساسي من حقوق الإنسان، والمستخدم على نطاق واسع بين الناس، وتعني قدرة الفرد أو المجموعة أن يتحدثوا عن أفكارهم ومشاعرهم، حول مختلف القضايا دون أي خوف أو رادع من رقابة حكومية أو عقاب مثلًا. ولأن حرية التعبير مُهمة للغاية، فلا بد وأن تكون قيودها محددة بشكل واضح، إذ تنص القوانين في الدول التي تؤمن الحريّات على أن هذه الحرية تخضع لاجراءات ومعايير صارمة فيما يخص العقوبات وتطبيقها في المجتمع الديموقراطي، يشمل هذا الحق، حرية الصحافة في إبداء الآراء، وحرية تعبير المواطنين عن مظالمهم عبر تنظيم الاحتجاجات وتقديم الالتماسات.

تُعتبر حرية الرأي من مفاتيح التنمية والكرامة الشخصية، إذ يمكن للناس أن يفهموا محيطهم والعالم ككل عبر تبادل أفكارهم ومعلوماتهم بحرية مع الآخرين، فإذا ما كان الناس قادرين على التعبير، فإن ذلك يبعث في نفوسهم شعور الأمان والاحترام، والمجتمع الذي يضمن حرية التعبير لشعبه، فإنه يتّسم بالحُكم العقلاني، الذي يؤدي بدوره إلى تحقيق التقدّم والنمو في شتى مجالات الحياة، الاجتماعية والاقتصادية، وبهذا تضمن حماية وتعزيز حقوق الإنسان الأخرى.

أما فيما يتعلّق بأصولها التاريخية، يعتقد معظم الخبراء أن المبدأ الديموقراطي الأثيني القديم لحرية التعبير، ربما تم ممارسته في الفترة الممتدة بين القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد، كما أُشير لحرية التعبير أيضًا كواحدة من قِيَم الرومان منذ عام 509 قبل الميلاد. وتم خلال الثورة الفرنسية عام 1789، النص على أن حرية التعبير هي «حق غير قابل للتصرّف»، وفي عام 1948، نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل فرد «الحق في حرية الرأي». وفي أيامنا هذه، يتم احترام هذا الحق في العديد من القوانين والاتفاقيات، مثل الاتفاقيات الأمريكية، والأوروبية لحقوق الإنسان، والمعاهدات الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية.

يمكننا التمييز بين حرية التعبير عن الرأي وخطاب الكراهية من خلال عدة نقاط أبرزها:

  1. الغرض من الكراهية مقابل حرية التعبير

تسمح حرية التعبير للناس بمناقشة معتقداتهم وأفكارهم بصراحة، مع بعض القيود، بينما يحرض خطاب الكراهية على إيذاء الآخرين، أو ممارسة أعمال العنف ضدهم، ولا يحترم القيود ذات الصلة.

  1. التشجيع على خوض النقاشات

تُشجع حرية التعبير على النقاش من خلال عرضِ جانبيّ القضية بشكل ليبرالي، بما يضمن الإلتزام بالقيم الأخلاقية، في حين يشجع خطاب الكراهية على العنف من خلال توجيه الإساءة عمدًا إلى الطرف الآخر، ودعم الأعمال التمييزية العنصرية أو الطائفية.

  1. التأثير على المجتمع

يخلق خطاب الكراهية فصائل غير ضرورية داخل المجتمع بسبب المحتوى العدواني، الذي قد يؤدي للمزيد من تدهور المجتمع. أما من الناحية الأخرى، تؤدي حرية التعبير عمومًا لنمو المجتمع. وعلى الرغم من ظهور انقسامات معينة، لا يزال هناك تغيير إيجابي في نهاية المطاف، الذي  من شأنه تعزيز التطور الاجتماعي الصحي.

  1. التأثير على الذات

إن التصريح علنًا بالعنصرية أو كراهية أصحاب الميول الجنسية المختلفة على سبيل المثال، وغيرها من الملاحظات التمييزية تحت خطاب الكراهية، لا يؤذي الآخرين فحسب، بل يؤذي المتحدثون نفسهم أيضًا، فعند السخرية من الأقليات مثلًا، أو توجيه كلام طائفي لهم، سيُرد إليهم هذا الكلام، أو قد يتعرضون للسخرية في المقابل، ويعاقبون اجتماعيًا. بينما على النقيض من ذلك، فإن أولئك الذين ينخرطون في حرية التعبير، لا يُعاقبون اجتماعيًا بشكل عام، لأنهم يحرصون على عدم تجاوز الحدود.

  1. الموقف تجاه الأقليات

يبث خطاب الكراهية روح العنصرية والتفريق تجاه الأقليات من خلال نشر الإساءات، في حين تحمي حرية التعبير الأقليات بممارسة التسامح، واحترام التنوع الذي تجلبه كل مجموعة، كونها تتّبع منهجًا يمنع تهميش الأفراد.

  1. الإنسانية وجرائم الكراهية

من الواضح أن حرية التعبير هي الأكثر إنسانية، كونها تهدف لاحترام كرامة الأفراد، وتعتمد على نشرها في المناهج الدراسية والمنظمات المجتمعية وأماكن العمل. وعلى عكسها، فإن خطاب الكراهية يرتبط بشكل أكبر بالجرائم، كونه يروّج لمحتوى يتعلّق بالأفعال المسيئة، فكما قيل بأن بعض عمليات الإبادات الجماعية قد سبقها خطاب يحض على الكراهية.

خلاصة القول

يجب أن تكون حرية التعبير مقدسة ما لم تبدأ بتحقير الغير، والسعي لإهانتهم، والنيل من سمعتهم ومعتقداتهم، وإلا تحوّلت لخطاب كراهية. 

يتعامل كل من حرية التعبير، وخطاب الكراهية مع التعبير عن المشاعر والأفكار، ولكن هناك خيط رفيع بينهما تُحدده الفروقات مثل التشهير والقذف والتهديد. للأسف أصبحنا نجد المجتمعات، ولا سيما العربية منها تستغل الدين أو المذهب لتبث الخلافات وتُنشئ عدوًا وهميًا، ويصبح خطاب الكراهية هو الشائع بين أفراد المجتمع، الأمر الذي إذا استمر ستغيب تمامًا لغة العقل والاحترام، وتحل مكانها التحقير والعنصرية والشتم. لذلك من المهم أن نعترف بخطورة خطاب الكراهية وما يندرج عنها، وحتى يتم تأمين كامل الحماية لحقوق الإنسان، فإن ذلك يتطلّب للتصدي للكراهية بكل أشكالها، عبر نشر الوعي المجتمعي، ومعالجة أسبابها. 


المصادر: 

  • https://www.un.org/en/hate-speech/understanding-hate-speech/hate-speech-versus-freedom-of-speech 
  • Conklin, Michael, The Overlooked Benefits of ‘Hate Speech’: Not Just the Lesser of Two Evils (2020). The Overlooked Benefits of Hate Speech: Not Just the Lesser of Two Evils, Forthcoming, Available at SSRN: https://ssrn.com/abstract=3604244 or http://dx.doi.org/10.2139/ssrn.3604244 
  • Conklin, Michael, The Overlooked Benefits of ‘Hate Speech’: Not Just the Lesser of Two Evils (2020) 
  • Cotler, I. (2012). State-Sanctioned Incitement to Genocide: The Responsibility to Prevent. In M. Herz & P. Molnar (Eds.), The Content and Context of Hate Speech: Rethinking Regulation and Responses (pp. 430-455). Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9781139042871.030
  • Calvert, C. (1997). Hate speech and its harms: A communication theory perspective. Journal of Communication, 47(1), 4–19. https://doi.org/10.1111/j.1460-2466.1997.tb02690.x

نريد أن نعيد لمنطقتنا مجدها السابق.أتريد ذلك أيضاً؟

خلال العصر الذهبي، ساهمت منطقتنا ببعض أكبر الاختراعات والعجائب العلمية في العالم الحديث. نحن نعيد إيقاد روح المعرفة والمجد والأمل التي ألهمت المنطقة خلال هذه الفترة، ونحن بحاجة إليك.

انضم إلينا