ناقش الفلاسفة منذ عدة قرون ثنائية الخير والشر في الطبيعة البشرية، وتنوعت آراؤهم بشكل كبير، ووصلت في بعض الأحيان حد التناقض، إذ رأى بعضهم أن الإنسان مجبول على الشر، وأنه يعيش مجمل حياته بانتظار الفرصة المناسبة لإظهار مشاعره العدوانية. بالمقابل، تبنى فلاسفة آخرون الرأي المناقض المتمثل بكون الإنسان لطيف بطبعه ما لم يؤثر عليه المجتمع الفاسد.

رأى أرسطو أن الإنسان يتعلم الأخلاق ويتلقنها، وأن البشر ولدوا «مخلوقات غير أخلاقية»، وأن الجهل أصل كل الشرور، فيما اعتبر فلاسفة المذهب التشاؤمي، من أمثال توماس هوبز، البشر «سيئين» و«متوحشين»، ويتوجب فرض قواعد أخلاقية عليهم لكبح جماح وحشيتهم وتحقيق ازدهار المجتمع. بالمقابل، انتقد جان جاك روسو رأي هوبز، واعتبر أن الإنسان لطيف ونقي بطبعه مالم ينشأ في مجتمع فاسد ينتشر فيه الظلم الناتج عن الأنظمة الطبقية. أما سيغموند فرويد فقد رأى أن للإنسان غريزة عدوانية شريرة  تظهر علنًا في الحروب، و يقول أن الكائن الحي يحافظ على حياته عن طريق تدمير حياة أخرى دخيلة، وتظهر هذه الغريزة العدوانية الشريرة عند الإنسان بقتله الحشرات الصغيرة أو الحيوانات.

بين هذا وذاك، اتخذ الفيلسوف الويلزي، روبرت أوين، موقفًا مميزًا، إذ رأى أن شخصية الإنسان نتاج لموروثاته وجيناته وبيئته المحيطة، فلا هو شرير ولا هو خيّر. يرى أوين أن الإنسان لا يتحكم بالظروف التي تتشكل فيها شخصيته، وبالتالي، لا يمكن مديح الأفراد على سلوكهم أو نمط حياتهم. قاد هذا المبدأ أوين لاستنتاج مفاده «أن البناء الصحيح للشخصية يتطلب تعريضها لتأثيرات بيئية –جسدية واجتماعية وأخلاقية- مناسبة منذ سنوات الحياة الأولى».

دعمت العديد من الأبحاث والدراسات نظرية أوين حول تأثير العوامل البيئية والبيولوجية والاجتماعية على تطور الحالة السلوكية للأفراد، وسنتحدث في مقالنا هذا عن بعض هذه العوامل.

العوامل الاجتماعية

اعتبر رائد النظرية السلوكية، ألبرت باندورا، أن للعوامل البيئية المكتسبة التأثير الأكبر على خلق ميول إجرامية عند الإنسان، فالسلوك الإجرامي، من وجهة نظر سلوكية، هو سلوك يكتسبه المجرم من خلال الخبرات التي يمر بها، ويتوطد بالتعزيز الإيجابي المتمثل بتحقيق بعض الأهداف من خلاله.

يعد الفقر أحد أهم العوامل التي تؤثر على الحالة العدوانية للأفراد، وغالبًا ما يرتبط فقر الحال بالجريمة. يلعب الإجهاد والتوتر والإحباط الناجم عن العجز عن تحصيل الموارد المالية أو الأساسيات الغذائية دورًا مهمًا في جعل الفقراء أكثر ميلًا لارتكاب الجريمة بالمقارنة مع الأفراد الأثرياء المرفهين القادرين على تأمين ما يحتاجونه بسهولة (1). إلى جانب الفقر، يعد سوء التغذية أيضًا من أهم المشاكل التي تتسبب بتراجع قدرات الأفراد على التعلم وضعف التحكم بانفعالاتهم.

وجد العالم أدريان راين أن الوظائف الدماغية عند الأطفال الذين يبلغون من العمر ثلاث سنوات واتبعوا برنامجًا يركز على التغذية الجيدة والتمارين الرياضية والمهارات المعرفية تفوقت على أقرانهم، وأن النشاط الإجرامي عندهم، مع بلوغهم الثالثة والعشرين من العمر، قد انخفض بنسبة 34% عن أقرانهم الذين لم يخضعوا لنفس البرنامج. (2) كما اكتشف الدكتور ديفيد أولدز في أحد تجاربه أن الأمهات الحوامل ذوات الدخل المنخفض واللاتي ترددت عليهنّ ممرضات المنزل بانتظام وتحدثن إليهن عن مواضيع متعلقة بالصحة والتعليم والأبوة، كن أقل عرضة لإنجاب أطفال ألقي القبض عليهم لارتكابهم جرم ما قبل سن الخامسة عشر، بالمقارنة مع أقرانهنّ اللاتي لم تتردد عليهن الممرضات. (3)

يمكن لنشأة الأطفال في منزل تشيع فيه ظواهر العنف بين الوالدين أن تبني سلوكًا عدوانيًا عندهم، وتجعلهم أكثر قابلية للتعامل مع مشاكلهم بوسائل عنيفة. أظهر عالم النفس، ألبرت باندورا، في كتابه، نظرية التعلم الاجتماعي (4)، أهمية التعلم الاجتماعي في تنمية السلوك العدواني عند الإنسان وأكد على إمكانية أن يتسبب تعرض الأفراد لنماذج عنيفة بتحفيز العوامل النفسية والبيولوجية الموجودة مسبقًا ما يهيئهم لتبني سلوكيات عدوانية.

العوامل الجسمانية البيولوجية

أعطى الطبيب العسكري في الجيش الإيطالي سيزار لومبروزو في كتابه (الرجل المجرم) العوامل الوراثية والبيولوجية والتكوين الفيزيولوجي للفرد الدور الأكبر في خلق الميول العدوانية عنده، بل وذهب أبعد من ذلك، عندما ادعى إمكانية تحديد نوع الجرائم التي يرتكبها الشخص من خلال دراسة صفاته الجسدية وتكوينه العضوي.

ظهرت العديد من الأبحاث التي تربط السلوك العدواني عند الإنسان بالتكوين العضوي والبيولوجي له، ومن التفسيرات الحديثة للسلوك الإجرامي ارتباطه بمورثات جينية تسبب تباين مستويات إنتاج نوع معين من الهرمونات، أو تفاوت حجم جزء معين من الدماغ وغيرها من العوامل. أثبتت التجارب المخبرية التي قام بها العالم ستيفن سومي أنه من الممكن أن يتسبب تعرض الطفل لسوء المعاملة والإهمال في أولى سنوات حياته بحدوث انخفاض دائم بمستويات هرمون السيروتونين، الذي له دور مهم في عدة وظائف دماغية بما في ذلك تنظيم الحالات العاطفية، وبالتالي زيادة احتمال ظهور ميول عدوانية عنيفة عنده (5).

أشارت العديد من الأبحاث، بما في ذلك دراسة تصوير الأعصاب التي قام بها الدكتور داستن بارديني من جامعة بيتسبرغ، إلى الارتباط بين حجم اللوزة الدماغية والميل للعنف. استنتج بارديني، من خلال تجربته التي أُقيمت على مجموعة مكونة من 503 رجل (6)، أن الأشخاص الذين يملكون لوزة دماغية أصغر من الحجم الطبيعي أكثر عرضة لاتبّاع سلوكيات عدوانية وعنيفة، بغض النظر عن العوامل الأخرى المؤثرة على السلوك، بما في ذلك الخلفية الاجتماعية والسوابق الإجرامية. أشارت أبحاث أخرى، ومنها التي أجرتها عالمة النفس أندريا جلين من جامعة ألاباما (7)، أن نشاط اللوزة الدماغية (وليس حجمها فقط) يكون منخفضًا نسبيًا عند أولئك الذين يمتلكون ميولًا سيكوباتية.

جاء اكتشاف تأثير جين MAOA على السلوك البشري ليؤكد على فكرة تأثير التكوين الفيزيولوجي للإنسان على نشاطه العدواني. فقد أكدت العديد من التجارب، من بينها تجربة أستاذة العلوم السياسية في جامعة براون، روز مكديرموت، التي أجرتها على 78 شخص، أن مستويات العدوانية عند الأفراد الذين يحملون جين MAOA منخفض النشاط كانت أعلى من مثيلاتها عند أولئك الذين يحملون جين MAOA نشط (8).

موقع الجين المحارب على الكروموسوم X
موقع الجين المحارب على الكروموسوم X
يظهر هذا المخطط العلاقة بين معدلات ظهور السلوك المعادي للمجتمع عند البالغ وسوء معاملته في مرحلة الطفولة، ويفرق بين حالتين، الأولى يحمل فيها الأفراد جين MAOA نشيط (اللون الرمادي)، وجين MAOA منخفض النشاط (اللون الأسود)، وذلك وفقًا للدراسة التي وضعتها مكديرموت.
يظهر هذا المخطط العلاقة بين معدلات ظهور السلوك المعادي للمجتمع عند البالغ وسوء معاملته في مرحلة الطفولة، ويفرق بين حالتين، الأولى يحمل فيها الأفراد جين MAOA نشيط (اللون الرمادي)، وجين MAOA منخفض النشاط (اللون الأسود)، وذلك وفقًا للدراسة التي وضعتها مكديرموت.

خاتمة :

تظهر التجارب والأبحاث الاجتماعية آنفة الذكر أن الأطفال الذين يتعرضون للإيذاء أو الضرب أو الاضطهاد معرضون لخطر الإصابة باضطراب السلوك ولظهور أعراض شخصية معادية للمجتمع، والتحول لمجرمين. مع ذلك، هناك اختلاف كبير بين الأطفال في استجابتهم لسوء المعاملة الذي يتعرضون له، وهو ما يعتمد، وفقًا للأبحاث البيولوجية التي ذكرناها سابقًا، على عدة عوامل لها علاقة بالتركيب الجسماني للأفراد، بما في ذلك نشاط جين MAOA، وحجم ونشاط اللوزة الدماغية، ومستويات السيروتونين في جسم الإنسان وغيرها.

فهل تكفي هذه الأبحاث لإثبات صحة نظرية روبرت أوين التي تنفي وجود صفة خير أو شر عامة عند البشر، وتفترض أن شخصية الإنسان مرتبطة بشكل حصري بالبيئة التي نشأ فيها وبمستويات الرعاية والدعم التي حصل عليها في طفولته وبعوامل بيولوجية أخرى لا يملك القدرة على التحكم بها؟

المصادر :

1-       Widom, C. S. (1989). The cycle of violence. Science, 244, 160-166.

2-    The Anatomy of Violence: The Biological Roots of Crime

3-    Infant Mental Health Journal, 2006.

4-    Social Learning Theory By Albert Bandura

5-    THE ROLE OF THE BRAIN SEROTONERGIC SYSTEM IN THE ORIGIN AND TRANSMISSION OF ADAPTIVE AND MALADAPTIVE VARIATIONS IN MATERNAL BEHAVIOR IN RHESUS MACAQUES.

6-    Lower Amygdala Volume in Men is Associated With Childhood Aggression, Early Psychopathic Traits, and Future Violence, by: Dustin A. Pardini, Ph.D., Adrian Raine, Ph.D., Kirk Erickson, Ph.D., and Rolf Loeber, Ph.D.

7-    The Neural Correlates of Moral Decision-Making in Psychopathy Andrea L. Glenn

8-    Effects of the MAOA gene and levels of exposure to violence on antisocial outcomes.

نريد أن نعيد لمنطقتنا مجدها السابق.أتريد ذلك أيضاً؟

نحن نعيد إيقاد روح المعرفة والمجد والأمل التي ألهمت المنطقة خلال هذه الفترة، ونحن بحاجة إليك.

انضم إلينا