من نقاش فكري في المسجد إلى أكبر مدرسة عقلانية في تاريخ الإسلام.

كيف ظهرت المعتزلة؟ وما هي أفكار هذه الجماعة؟

المعتزلة جماعة إسلامية ظهرت خلال القرن الثاني الهجري، واحتل مذهبهم صدارة الفكر الإسلامي السني خلال سنوات عديدة من العصر الذهبي للدولة العباسية.

يختلف المؤرخون حول أصل هذه التسمية، فالبعض قال إن السبب هو انفرادهم في بعض الآراء معتزلين بذلك رأي الجماعة، فيما قال آخرون إن اعتزال مجموعة من الناس مبايعة كل من الحسن ومعاوية معتزلين الحرب الأهلية التالية هو سبب هذه النسبة.

أما السبب الأرجح فهو حادثة حصلت في جامع البصرة الذي كان أولى الجامعات الإسلامية المهتمة بالعلوم والفقه والتاريخ، فبعد أن سأل أحد الحاضرين عن حكم مرتكب الكبائر من المسلمين، رد الحسن البصري إمام الجامع قائلًا إنه مؤمن عاص، وهنا تدخل واصل بن عطاء، وهو طالب علم أتى من المدينة المنورة إلى البصرة ليحضر دروس جامعتها ويناقش آراءه في الدين الإسلامي، قائلًا للإمام إن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المؤمن والكافر. بعد هذا الجدل غادر واصل المسجد ليقول الحسن إن واصلًا وأصحابه اعتزلوا هذا المجلس.

في جميع الأمثلة السابقة، نرى أن المعتزلة لم يطلقوا على أنفسهم هذا اللقب، إنما ابتدعه الخصوم بغرض الإساءة أو التصغير، لكن المعتزلة لم يحاولوا إنكار اللقب على الرغم من أنهم دعوا أنفسهم باسم أهل التوحيد والعدل، بل رأوا تمجيدًا في اعتزالهم إجماع الناس على الخطأ، ضاربين أمثلة من التاريخ الإسلامي مثل أهل الكهف والنبي إبراهيم الذي اعتزل قومه وما يعبدون من دون الله.

يجمع العلماء على أن ظهور فئة مثل المعتزلة كان ضرورة تاريخية حتمية، ويعود ذلك للأسباب التالية:

أولا: الحروب الأهلية والخلاف على الحكم في الدولة الإسلامية، ما دفع نخبة المسلمين إلى التساؤل حول جدوى الدخول في هذه الصراعات.

السبب الثاني هو توسع الدولة الإسلامية وتحولها إلى دولة عالمية أدخلت العديد من الحضارات المجاورة، ما أوجب الرد على تساؤلات أفراد هذه الشعوب حول ثقافاتهم المحلية، وتبيان نقاط التوافق والخلاف مع الدين الإسلامي.

أما السبب الثالث فهو الرد على بقية شعوب الدولة الإسلامية من ذوي الكتاب، وتسليط الضوء على بعض نقاط الجدل في أفكارهم، حتى أن بعض المؤرخين يرى نظرة المعتزلة إلى التوحيد كانت في جانب منها ردًا على عقيدة التثليث المسيحية ونفيًا لتعدد الذوات الإلهية.

بعد أن دخل المأمون بغداد خليفة للدولة العباسية، أتى وفاقه مع المعتزلة نتيجة طبيعية بين خليفة متنور مؤمن بسلطة العقل، وفرقة إسلامية أخضعت جميع المسائل إلى حكم العقل حتى النص الديني، وبذلك أصبحت المعتزلة مذهبًا رسميًا للدولة.

انقسم المعتزلة مع الزمن إلى عدة فرق، لكنها اجتمعت على الأصول الخمسة:

التوحيد: وينص على أن الله واحد ليس كمثله شيء، وصفاته هي عين ذاته أي إنها جزء من الذات الإلهية.

العدل: وهو الذي يوجب حرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، فلا معنى للعدالة الإلهية إن لم يكن الإنسان مخيرًا.

المنزلة بين منزلتين: يتعلق المبدأ بحكم مرتكب الكبائر من المسلمين، إذ تراه المعتزلة في منزلة بين المؤمن والكافر طالما هو على قيد الحياة.

الوعد والوعيد: الله صادق منزه عن الكذب وعد المؤمنين بالخلود في الجنة أبدًا والكافرين بالخلود في جهنم دون أي استثناءات أو شفاعة كما ذكرت بقية الفرق.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يتعلق المبدأ بحياة الجماعة، ويهدف إلى تطبيق العدل في السلوك الاجتماعي مع الجميع دون استثناء من عامة الشعب وصولًا إلى الحاكم الظالم.

لعل محنة خلق القرآن كانت نقطة الخلاف الكبرى بين المعتزلة وبقية طوائف الإسلام، ففي حين افترضت الحنبلية كون كلام الله أزليًا قديمًا قدم الله، قدمت المعتزلة رأيًا جريئًا اعتبر القرآن الموجود بين أيدينا أمرًا محدثًا أوجده الله بعد أن كان غير موجود، وذلك في سعيهم إلى نفي الخلود عن أي شيء عدا الذات الإلهية.

تميز فكر المعتزلة بإحكام العقل وتقليده مكانة رفيعة في العلم والدين والحياة، وأصبحت العقيدة الأساسية لدين الدولة وسياستها بعد أن تبناها الخليفة المأمون ومن بعده المعتصم والواثق، كما اعتنقها العديد من رموز الفكر في العصر الذهبي مثل الجاحظ والزمخشري والقاضي عبد الجبار.

نريد أن نعيد لمنطقتنا مجدها السابق.أتريد ذلك أيضاً؟

نحن نعيد إيقاد روح المعرفة والمجد والأمل التي ألهمت المنطقة خلال هذه الفترة، ونحن بحاجة إليك.

انضم إلينا